الغموض يكتنف مستقبل العملة الافتراضية «بتكوين»

تصدرت أخبار العملة الافتراضية “بتكوين” العناوين الرئيسة للصحافة الاقتصادية خلال العام الماضي، سواء كان السبب الجدل حول مستقبل العملة الإلكترونية في مواجهة العملات التقليدية، أو كان منبع الاهتمام الارتفاع المتواصل لأسعارها خلال عام 2016، لتكون بذلك أفضل العملات أداء خلال العام المنصرم. وخلال الأيام الماضية خرج الحديث عن تلك العملة الافتراضية من نطاق المنتديات الاقتصادية المختصة، أو وسائل الإعلام الاقتصادية المتخصصة، إلى نطاق أعم وأشمل، فباتت حديث المنتديات الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي خاصة بعد أن لامس سعرها حدود 1100 دولار. فما هي عملة البتكوين؟ وما علاقتها بالعملات التقليدية؟ ومن يصدرها؟ وكيف يتم التداول فيها وأين؟ وكيف تؤثر وتتأثر بالاقتصاد العالمي؟ من يحدد أسعار صرفها وكيف؟ وما هو مستقبلها؟ وهل ستفلح في الحفاظ على تميزها خلال العام الحالي، أم أن الأمر لا يتعدى فورة وتقليعة اقتصادية ستأخذ وقتها قبل أن تذوي وتنطفئ؟ وأخيرا وليس آخرا ما هو وضعها الراهن والمستقبلي في عالمنا العربي عامة ومنطقة الخليج العربي خاصة؟ ربما ما يميز عملة البتكوين عن غيرها من العملات النقدية المعتاد تداولها مثل الدولار واليورو والاسترليني أو الريال أنها عملة افتراضية إلكترونية يتم تداولها عبر الإنترنت، دون أن يكون لها وجود فيزيائي، وعلى الرغم من أنه يمكن استخدامها كأي عملة أخرى في شراء وبيع السلع والخدمات أو حتى تحويلها إلى عملات أخرى، فإنها لا تستخدم خارج نطاق الشبكة العنكبوتية. لكن اختلاف البتكوين عن العملات التقليدية المعتادة لا يقف عند تلك الجوانب، بل يشمل أيضا جوانب أخرى، أهمها وربما اخطرها انها عملة افتراضية لا مركزية، إذ لا يوجد هيئة تنظيمية تقف خلفها، فالدولار الأمريكي على سبيل المثال يقف خلفه الاحتياطي الفيدرالي، إذ يحدد العديد من الجوانب المرتبطة بالعملة الأمريكية، مثل الكميات المطبوعة، وأسعار الفائدة، وغيرها من السياسات التي تؤثر على الدولار وعلى المتعاملين به، أما العملة الافتراضية فيغيب عنها كل تلك التعقيدات. والجانب الآخر في البتكوين أنها عملة مشفرة، فعلى الرغم من أنها ليست العملة الإلكترونية الوحيدة المشفرة فإنها أكثر العملات الافتراضية تداولا وأوسعها انتشارا. ولا تزال حقيقية الأب المؤسس لتلك العملة مجهولة أو محل جدل في أقل تقدير حتى الآن، فقد طرحت فكرة البتكوين للمرة الأولى عام 2008 من قبل شخص يدعى ساتوشي ناكوموتو، لكنه لم يتأكد حتى يومنا هذا أن تلك هي الهوية الحقيقية لهذا الرجل، وكان أول إصدار للعملة الإلكترونية عام 2009، بهدف الاستغناء على السلطة المركزية التي تقوم بإنتاج العملات. ومع هذا، فإن السؤال الأبرز هو: كيف يتم إنتاج البتكوين إذا لم يكن هناك مصرفا مركزيا معلوم العنوان يقوم باصدارها؟، ويقول الخبراء إنه يتم الإنتاج من أي مكان في العالم عبر عملية تعرف باسم “تعدين أو التنقيب عن البتكوين” على غرار التنقيب عن الذهب، ويطلق على من يقومون بتلك العملية اسم “المنقبين”. وهذه العملية متاحة لأي شخص وليست حكرا على أشخاص محددين، ولكنها تتطلب وقتا وأجهزة كومبيوتر قوية، وتتم عبر تحميل برنامج التعدين أو التنقيب وهو برنامج مجاني متاح للجميع على الإنترنت، وعند تشغيل هذا البرنامج يقوم بالتعامل مع الشفرة الموجودة في شبكة البتكوين، وبعد التعامل معها يقوم بإصدار العملة الافتراضية، وهذه العملية شديدة التعقيد ما أدى إلى تنامي ظاهرة تعاون عدد من الأشخاص معا لإنتاج البتكوين. ويقول لـ “الاقتصادية”، روبرت ويلسون الخبير في العملات الإلكترونية وأحد المتعاملين في عملة البتكوين، إن عملية إصدار العملة الافتراضية تزداد صعوبة مع مرور الوقت، فهناك شفرة على العملة تمنع إصدارها بعد عام 2140، وحاليا يتم إنتاج 150 بتكوين كل ساعة، ويتراجع هذا المعدل إلى النصف كل أربعة أعوام. وبالطبع فإن القيمة الإجمالية للعملة الافتراضية في الأسواق العالمية متغيرة، وتعتمد على سعرها، إذ كلما ارتفع السعر في مواجهة الدولار كلما ارتفعت قيمتها الإجمالية، التي بلغت نحو 14 مليار دولار في أواخر العام الماضي عندما بلغ سعرها 875 دولار للعملة الواحدة، إلا أن القيمة الحالية في الأسواق تقدر حاليا بنحو 18 مليار دولار نتيجة تجاوزها حدود 1100 دولار للعملة الوحدة. ويعتبر الدكتور جيمس جرانت أستاذ النقود والبنوك في جامعة أكسفورد، أن المفتاح الرئيسي لمستقبل العملات الافتراضية عامة والبتكوين خاصة سيرتبط بمدى اعتراف دول العالم بتلك العملات. وأضاف لـ “الاقتصادية”، أن مواقف دول العالم تتباين بشأن مدى الاعتراف الرسمي بالنقود الافتراضية، فألمانيا هي الدولة الوحيدة التي تعترف بها كليا، واليابان تخطط لذلك، وهناك دول تقبل التداول بها على مواقع الإنترنت، وأن يحتفظ بها الأفراد دون السماح للبنوك بذلك مثل الصين. وأشار جرانت إلى أن هدف دولة مثل ألمانيا من الاعتراف بالعملة الافتراضية، هو أن يكون لدى الحكومة القدرة على فرض ضرائب على أرباح الشركات التي تتعامل بالعملات الافتراضية، وهذا الاعتراف يمنح تلك العملات المزيد من الشرعية، ومن ثم مزيد من القبول المجتمعي، وأيضا المزيد من قبول المواقع الإلكترونية بالتعامل بها، لكنه أيضا سيسهم تدريجيا في توجيه الدولة لتلك العملة. ويعتبر روبرت لينكليتر نائب المدير التنفيذي لجمعية العملات الإلكترونية البريطانية أن البتكوين تتمتع بمستقبل كبير، وأن العام الحالي سيشهد ارتفاعا مطردا في سعر تلك العملة قد يصل إلى 2100 دولار لعدد من العوامل. وأوضح لـ “الاقتصادية”، أن هناك ثقافة دولية آخذه في التشكل تعتبر البتكوين أصلا من الأصول مثل الذهب، بل تتمتع ببعض المميزات أفضل من الذهب، فأولا هناك عدد محدود من تلك العملة لا يمكن تجاوزه وهو 21 مليون بتكوين، ومن ثم زيادة الطلب عليها يعني ارتفاع سعرها، وتحويل تلك العملة من شخص إلى آخر يتم دون تكلفة مالية لعدم وجود وسطاء أو سلطة مركزية تتحكم في الأمر، وبالتالي هي بخلاف الذهب أو العملات الدولية التي يتم دفع عمولة عند تحويلها من شخص لآخر أو من مؤسسة لأخرى، إذ لا تفقد أي جزء من قيمتها مهما كان يسيرا، أضف إلى ذلك أنه مع تزايد المخاوف من دخول العالم في مرحلة من عدم الاستقرار الاقتصادي جراء الصراع المحتمل بين الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترمب والصين، فإن البعض خاصة في الصين التي تضم 90 في المائة من المتعاملين بالبتكوين، ينظرون الآن وبصورة متزايدة إلى العملة الافتراضية باعتبارها ملاذا آمنا في المستقبل. ويضيف لينكليتر أن هناك عوامل أخرى لا يمكن اعتبار تأثيرها طويل المدى، ولكن تصب في مصلحة البتكوين مثل إلغاء الهند لبعض الفئات النقدية الكبيرة، ما أوجد اضطرابا في سوق العملات في الهند ودفع إلى المزيد من الإقبال على العملة الافتراضية وارتفاع أسعارها. لكن التقلبات العنيفة في أسعار البتكوين وبلوغها سقف 1150 دولارا في عام 2013 ثم تراجعها بشدة في 2015 لتصل إلى مستويات شديدة الانخفاض لم تتجاوز فيها حدود 150 دولارا للعملة الواحدة، إضافة إلى الطبيعة المتخصصة للمتعاملين بها، يطرح تساؤلات حول كيفية تسعير تلك العملة، ومدى عدالة السعر الخاص بها في مواجهة غيرها من العملات؟. وإذا كان البعض يرى أن معادلة العرض للطلب تقوم بالدور الرئيسي في تحديد سعر البتكوين، خاصة في ظل غياب سلطة مركزية يمكن أن تقوم “بحيل” أو بإجراءات إدارية أو قانونية لزيادة سعر صرف العملة الوطنية، فإن سعر العملة الافتراضية يتحدد – وفقا لتلك الرؤية – بطريقة عادلة ومرضية لجميع الأطراف. وما يزيد من الطلب المتصاعد على هذه العملة هو قلة الإمدادات بعملة البتكوين، وكان الهدف الأساسي أن تكون هذه العملة محدودة بنحو 21 مليون بتكوين، وقد تم استخدام ثلاثة أرباع هذا المبلغ. ومع هذا، تظل البتكوين تعاني جوانب قصور من أبرزها عدم وجود إقبال شديد – بعكس الذهب مثلا – من قبل البنوك المركزية والمؤسسات المالية العالمية عليها، وعدم اعتبارها حتى الآن استثمارا بديلا أو جزءا من المحافظ المالية للشركات العالمية والبنوك المركزية. وعلى الرغم من أن الأعوام الماضية شهدت استثمارات بالمليارات من قبل مؤسسات مالية لشراء البتكوين، إلا أنه لا توجد ضمانة حقيقية أن هذا الاتجاه قد يتزايد، ومع هذا يعتقد بعض الخبراء المصرفيين أن الارتفاع الذي حدث لعملة البتكوين أخيرا الذي تلاه تراجع في قيمتها غير مبرر، وأنه ربما يعود إلى ما يعتبره البعض تصاعد القلق في الأسواق الصينية تجاه المستقبل. هاري راسل الاستشاري في مجموعة “لويدز” المصرفية يرى أن الارتفاع الذي تجاوز سقف 1100 دولار للبتكوين، يرجع إلى قلق المستثمرين الصينين من الشائعات الرائجة بأن السلطات المالية في البلاد ستخفض قيمة اليوان، ومن ثم هناك رغبة لدى رجال الأعمال الصينيين بإخراج ثرواتهم من البلاد، قبل اتخاذ البنك المركزي الصيني تلك الخطوة، ولهذا زاد طلبهم على العملة الافتراضية أخيرا ما أدى إلى ارتفاع الأسعار، كما نلاحظ أن انخفاض قيمة البتكوين تزامن مع رفع الصين قيمة اليوان بنحو 2.6 في المائة في مواجهة الدولار. ولكن إلى أي مدى تتمتع العملة الافتراضية بقبول في الشارع العربي؟ يعتبر إلياس العامري المحلل الاقتصادي أن الطريق لا يزال طويلا بشأن قبول الشارع العربي والمؤسسات العربية هذا النوع من العملات. وأضاف لـ “الاقتصادية”، أن أحد المعوقات أمام انتشار العملة الافتراضية في النظام الاقتصادي العربي وبين المؤسسات والشركات العربية وحتى الأفراد أنها عملة تعتمد تماما على الكمبيوتر في التداول، وبالتالي تتطلب أنظمة حماية مرتفعة المستوى للغاية، لضمان عدم تعرض حسابات المتعاملين للقرصنة الإلكترونية أو السرقة، إذ قد يتعرض عدد من البنوك والمؤسسات الدولية لقرصنة وسرق مجمل حساباته من البتكوين، ما يؤدى إلى إفلاسها وهذا يعد عاملا رئيسا يعوق استخدام المؤسسات الاقتصادية والمالية العربية للبتكوين. لكنه يضيف قائلا: إن هذا لا ينفي وجود محاولات عربية لا تزال محدودة، لكن الشهية في منطقة الخليج العربي أعلى كثيرا من غيرها من باقي البلدان العربية، ويصعب الحكم الآن حول مستقبل تلك العملة في العالم العربي على المدى الطويل، لكن الأمر سيرتبط بمدى الحماس الذي سيبديه المستثمر العربي خاصة من جيل الشباب حول التعامل بالعملة الافتراضية.

قد يعجبك ايضا المزيد من منشورات المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.