رسائل الغرام بين «جبران» و«مى»

فى ظل الأجواء المفعمة بالتوتر والقلق والخوف من المستقبل، يحن الإنسان إلى العيش ولو للحظات فى الذكريات الجميلة لينهل منها ما يخفف به آلامه ويهدئ من روعه، ربما يهنأ بلحظة سعادة ولو مؤقتة، ويغير حالته الراهنة.. ومع التقدم التكنولوجى، وظهور العالم الافتراضى بكل ما يحمله من تقنيات حديثة، اختفت من حياتنا الثقافية لوحة فنية رائعة وفن من فنون الأدب ازدهر في أوائل القرن الماضى.
وللأسف أيضاً إن ما نشر من رسائل الأدباء يعد ضئيلاً مقارنة بما لم ينشر، لأن تلك الرسائل تحتوى على أسرار لا يجوز إفشاؤها لما يسببه نشرها من حرج لمرسلها، علاوة على أن معظم الأدباء يرون أن نشر المؤلفات وتدبيج المقالات أهم من نشر الرسائل التى قد تجلب عليهم بعض المشكلات مع أصدقائهم، ولا تعود بالفائدة على القارئ.
ويعتبر جبران خليل جبران من الأدباء الذين أثروا فن المراسلة عند العرب بما تركه من رسائل لفتت نظر الباحثين، وأثارت فضولهم، فولجوا عبرها إلى عالم جبران الملىء بالرموز والأسرار، لقد فتح جبران فتحاً جديداً ورائعاً فى دنيا الأدب العربى عندما تحول من التأليف بالعربية للتأليف بالإنجليزية، وقصته مع «مى زيادة» مثال رائع للحب الفريد فى تاريخ الأدب وسير العشاق، ومثال للحب النادر المتجرد من كل ما هو سطحى ومادى، لقد دامت هذه العاطفة بينهما زهاء عشرين عاماً دون أن يلتقيا إلا فى عالم الفكر والروح والخيال الضبابى. فكان «جبران» فى مغارب الأرض مقيمًا، وكانت «مى» فى القاهرة، لم يكن حب جبران وليد نظرة فابتسامة فسلام فكلام، بل كان حباً نشأ ونما عبر مراسلة أدبية طريفة ومساجلات فكرية روحية ألفت بين قلبين وحيدين وروحين مغتربين، ومع ذلك كانا أقرب قريبين وأشغف حبيبين. فمن إحدى الرسائل المتبادلة بينهما رسالة مى لجبران.
جبران…
لقد كتبت كل هذه الصفحات لأتخير كلمة الحب، إن الذين لا يتاجرون بمظهر الحب ينمى الحب فى أعماقهم قوة ديناميكية رهيبة.
ما معنى هذا الذى أكتبه؟.. إنى لا أعرف ماذا أعنى به؟.. ولكنى أعرف أنك محبوبى، وأنى أخاف الحب أقول هذا مع علمى بأن القليل من الحب كثير.. الجفاف القحط واللاشىء بالحب خير من النذر اليسير.. كيف أجسر على الإفضاء إليك بهذا.. وكيف أفرط فيه؟.. لا أدرى.. الحمد لله أننى أكتبه على ورق ولا أتلفظ به.. لأنك لو كنت حاضراً بالجسد لهربت خجلاً بعد هذا الكلام.. ولاختفيت زمناً طويلاً، فما أدعك ترانى إلا بعد أن تنسى.. حتى الكتابة ألوم نفسى عليها أحياناً لأنى بها حرة كل هذه الحرية.
رد جبران…
ما ألطف قول من قال.
يا مى عيدك يوم.. وأنت عيد الزمان
ما أغرب ما تفعله كلمة واحدة فى بعض الأحيان.. إنها تحول الذات الخفية فينا من الكلام إلى السكوت، تقولين إنك تخافين الحب؟.. أتخافين نور الشمس؟.. أتخافين مد البحر؟.. أتخافين طلوع الفجر؟.. أتخافين مجىء الربيع؟.. لماذا يا ترى تخافين الحب؟
أنا أعلم أن القليل فى الحب لا يرضيك، كما أعلم أن القليل فى الحب لا يرضينى، أنت وأنا لا ولن نرضى بالقليل نحن نريد الكمال.. الكثير، كل شيء لا تخافى الحب يا رفيقة قلبى، علينا أن نستسلم إليه رغم ما فيه من الألم والحنين والوحشة ورغم ما فيه من الالتباس والحيرة.
والحقيقة أن الرسائل المتبادلة بين الأدباء والشعراء والمثقفين ذات قيمة تاريخية، فهى تعد من وجهة نظر المؤرخين من المصادر المهمة فى كتابة التاريخ، وحبذا لو اهتم الشباب بمثل هذه المصادر من خلال جمعها وتوثيقها ودراستها.

قد يعجبك ايضا المزيد من منشورات المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.